الحكيم الترمذي
87
كيفية السلوك إلى رب العالمين
له ، فإذا نال هذا الحظ قوي على أمره وأدب الرغبة ، وأقام فيهم حدودي من الأمر والنهي ، ووضع كل شيء من أمري وخلقي وتدبيري في موضعه ، وضبط المملكة والرعاية بهذا الهم ، فالغنى كل الغنى له ، والسرور كل السرور له يوم يقدم على ربّه ، والفرح كل الفرح له يوم يلقاني ، والشفاء كل الشفاء له يوم يراني ، ومن جعل همّ قلبه همين ، فمرة يهتم إليّ ، ومرة يهتم إلى نفسه ، ثم من نفسه تتشعب هموم لا تحصى ، وكل همّ من تلك الهموم له حلاوة وشهوة ولذّة فقد ذهب عني ، وسببه حلاوة الهموم . فالهمّ من الهيمان ، أن يهيم هكذا وهكذا ، وإنما هو « هام » ، و « همّ » ، أدغم الألف في الميم فشدده ، فهيمان القلب بوجهه إلى ربّه ، والقلب بضعة من لحم ، بمكانها لا تبرح ، ولكن وضع فيه نور المعرفة ونور العلم ونور العهد ونور الحياة باللّه ، فبنور الحياة باللّه علمت هذه الأنوار الثلاثة ، فصارت هذه الأنوار في جوف الحفظ ، وسبب الحفظ الإذن من ولي الواضع لهذا ، وهو اللّه عزّ وجل ، فإذا أذن أبرز الحفظ من وعائه هذه الأنوار التي قد تضمنها ، فإذا أبرزها ذلك العبد . فهاهنا في هذا الموضع ذكر العبد اللّه به ، بذلك الذكر سيّر القلب إلى ربّه ، بنور العقل والعلم والمعرفة ، ونور الحياة مركز هذا الذكر إلى أن اتّصل باللّه ، فكل ذكر قوّته على قدر حظه من نور الحياة ، وأوفرهم حظّا من ذلك النور أقواهم سيرا وترقيا إلى اللّه في الدرجات وأقواهم وسيلة ، فذاكر يصعد ذكره إلى السماء ثم يعجز فيبقى هناك ، وذاكر يصعد ذكره إلى العرش ثم يعجز ، وذاكر يصعد ذكره إلى الحجب ثم يعجز ، وذاكر يصعد ذكره ثم يلج الباب ، فيسلخ في نور الحجب ملكا ملكا ، حتى يصير المرعى بين يدي اللّه عزّ وجل ، فهذا كله بنور الحياة الذي أعطاه ربه من الحشمة ، فهذا سير القلوب إلى اللّه عزّ وجل . فأمّا البضعة فمسكنها في الجوف ، والذي فيها من هذه الأنوار منسوب إليه ، فيسمّى كله قلبا ، كما سمّي الإنسان إنسانا للإنسية التي فيه ، وسمّي الآدمي آدميا بالأدمة التي فيه ، وهي الوصلة ، فإنه خلقه بيده ، ومنه سمّي الإدام في الطعام إداما ؛ لأنه يضمّه إلى الطعام حتى حلاه به وطيبه ، فيسمّى إداما ولحما ، وسمّي حيّا بحياة القلب ، غير حياة الروح ، وحياة الروح غير حياة النفس . فالقلب سمّي قلبا لتقلّبه ، وإنما يقلبه مقلبه هكذا وهكذا من أجل الخدمة ؛ لأن الخدمة ألوان ، وسائر الأشياء شجرة ، فالشجرة راسخة لا تزول ، ومن خلقه للخدمة